الأربعاء، 20 أبريل 2022

كتاب مقتطفات من كتاب العبودية ابن تيمية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على صفوة خلقه وخاتم رسله محمدٍ عبد الله ورسوله، وعلى آله الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه إلى يوم الدين.

أما بعد.. فقد سئل الشيخ رحمه الله عن قوله عز وجل:}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ{ فما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أو لا ؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدنيا والآخرة أو فوقها شيء من المقامات؟

 وليبسط لنا القول في ذلك مأجورين رحمة الله وفضله.

الجواب:

فأجاب: الحمد لله رب العالمين. " العبادة ": هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة  وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله.

 وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى:}وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{ وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه:}اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ{ وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم. وقال تعالى:}وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ{ وقال تعالى:}وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ{ وقال تعالى:}وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ{ كما قال في الآية الأخرى:}يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{. وجعل ذلك لازما لرسوله إلى الموت كما قال:}وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ{ وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى:}وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ{ وقال تعالى:}إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ{ وذم المستكبرين عنها بقوله:}وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ{ ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى:}عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا{ وقال:}وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا{ الآيات. ولما قال الشيطان:}قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ{ قال الله تعالى:}إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ{ وقال في وصف الملائكة بذلك:}وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ{ إلى قوله:}وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ{ وقال تعالى:}وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا{ وقال تعالى عن المسيح - الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة - }إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ{ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:«لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا:عبد الله ورسوله». وقد نعته الله " بالعبودية " في أكمل أحواله فقال في الإسراء:}سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا{ وقال في الإيحاء:}فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى{ وقال في الدعوة:}وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا{ وقال في التحدي:}وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ{ فالدين كله داخل في العبادة.

 وقد ثبت في الصحيح؛ أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام قال:«أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا». قال:فما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره». قال: فما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ثم قال في آخر الحديث: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم». فجعل هذا كله من الدين.

 و " الدين " يتضمن معنى الخضوع والذل, يقال: دِنْتُه فَدَانَ, أي: أذللته فذل, ويقال: يُدينُ اللهَ, ويَدينُ لله, أي: يعبد الله ويطيعه ويخضع له, فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له. و " العبادة " أصل معناها: الذل. أيضا. يقال: طريق معبَّدٌ. إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام.

 لكنِ العبادةُ المأمورُ بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب؛ فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له؛ فإن آخر مراتب الحب هو التَّتَيُّم، وأولُه: " العلاقة ": لتعلق القلب بالمحبوب، ثم " الصبابة ": لانصباب القلب إليه، ثم " الغرام ": وهو الحب الملازم للقلب ثم " العشق "، وآخرها: " التَّتَيُّم "؛ يقال: تيم الله: أي: عبد الله؛ فالمتيَّمُ: المعبَّد لمحبوبه.

 ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى؛ بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله.

   وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة، وما عُظِّمَ بغير أمر الله كان تعظيمه باطلا. قال الله تعالى: }قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ{.[سورة التوبة:24]

    فجنس المحبة تكون لله ولرسوله، كالطاعة؛ فإن الطاعة لله ولرسوله، والإرضاء لله ولرسوله: }وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ{[سورة التوبة:62]، والإيتاء لله ورسوله: }وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ{.[ سورة التوبة:59]

 وأما " العبادة " وما يناسبها من التوكل والخوف ونحو ذلك، فلا يكون إلا لله وحده، كما قال تعالى: }قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا{ إلى قوله:}فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ وقال تعالى:}وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ{ فالإيتاء لله والرسول؛ كقوله:}وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا{.

 وأما الحسب -وهو الكافي- فهو لله وحده؛ كما قال تعالى: }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{، وقال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{؛ أي: حسبك وحسب من اتبعك الله. ومن ظن أن المعنى: «حسبك الله والمؤمنون معه» فقد غلط غلطا فاحشا، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وقال تعالى:}أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{.

    و تحرير ذلك: أن العبد يراد به " المعبد " الذي عبَّده الله؛ فدلَّله ودبره وصرفه، وبهذا الاعتبار: فالمخلوقون كلهم عباد الله؛ الأبرار منهم والفجار والمؤمنين والكفار وأهل الجنة وأهل النار؛ إذ هو ربهم كلهم ومليكهم، لا يخرجون عن مشيئته وقدرته وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر؛ فما شاء كان وإن لم يشاؤوا. وما شاؤوا إن لم يشأه لم يكن؛ كما قال تعالى: }أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ{. فهو سبحانه رب العالمين وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومقلب قلوبهم ومصرف أمورهم, لا رب لهم غيره, ولا مالك لهم سواه, ولا خالق إلا هو، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروه وسواء علموا ذلك أو جهلوه؛ لكن أهل الإيمان منهم عرفوا ذلك وآمنوا به, وشكروه بعبودية إلهية رغبا ورهبا, بخلاف من كان جاهلا بذلك أو جاحدا له مستكبرا على ربه لا يقر ولا يخضع له مع علمه بأن الله ربه وخالقه, فالمعرفة بالحق إذا كانت مع الاستكبار عن قبوله والجحد له كان عذابا على صاحبه كما قال تعالى: }وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ{، وقال تعالى: }الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{، وقال تعالى: }فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ{. فإن اعترف العبد أن الله ربه وخالقه، وأنه مفتقر إليه محتاج إليه عرف العبودية المتعلقة بربوبية الله، وهذا العبد يسأل ربه ويتضرع إليه ويتوكل عليه، لكن قد يطيع أمره، وقد يعصيه وقد يعبده مع ذلك، وقد يعبد الشيطان والأصنام، ومثل هذه العبودية لا تُفَرِّق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير بها الرجل مؤمنا، كما قال تعالى: }وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ{؛ فإن المشركين كانوا يقرون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يعبدون غيره، قال تعالى: }وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ{ وقال تعالى:}قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ{ إلى قوله:}قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ{.

 وكثير ممن يتكلم في الحقيقة فيشهدها، لا يشهد إلا هذه الحقيقة، وهي " الحقيقة الكونية " التي يشترك فيها وفي شهودها ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر، بل إبليس معترف بهذه الحقيقة وأهل النار؛ قال إبليس: }رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{، وقال: }رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{، وقال: }فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{، وقال: }أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ{، وأمثال هذا من الخطاب الذي يقر فيه بأن الله ربه وخالقه وخالق غيره؛ وكذلك أهل النار قالوا: }رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ{ وقال تعالى:}وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا{ فمن وقف عند هذه الحقيقة وعند شهودها ولم يقم بما أمر الله به من الحقيقة الدينية التي هي عبادته المتعلقة بألوهيته وطاعة أمره وأمر رسوله، كان من جنس إبليس ومن أهل النار ؛ فإن ظن مع ذلك أنه من خواص أولياء الله وأهل المعرفة والتحقيق الذين يسقط عنهم الأمر والنهي الشرعيان كان من شر أهل الكفر والإلحاد.

 ومن ظن أن الخضر وغيره سقط عنهم الأمر لمشاهدة الإرادة ونحو ذلك كان قوله هذا من شر أقوال الكافرين بالله ورسوله، حتى يدخل في " النوع الثاني " من معنى العبد وهو العبد بمعنى العابد فيكون عابدا لله لا يعبد إلا إياه؛ فيطيع أمره وأمر رسله ويوالي أولياءه المؤمنين المتقين ؛ ويعادي أعداءه الكافرين والفاسقين.

وهذه العبادة متعلقة بألوهيته، ولهذا كان عنوان التوحيد " لا إله إلا الله " بخلاف من يقر بربوبيته ولا يعبده، أو يعبد معه إلها آخر؛ فالإله هو الذي يألهه القلب بكمال الحب والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف والرجاء ونحو ذلك.

 وهذه العبادة هي التي يحبها الله ويرضاها، وبها وصف المصطفين من عباده, وبها بعث رسله. وأما " العبد " بمعنى المعبَّد سواء أقر بذلك أو أنكره, فذلك يشترك فيه المؤمن والكافر.

 وبالفرق بين هذين النوعين يعرف الفرق بين " الحقائق الدينية " الداخلة في عبادة الله ودينه وأمره الشرعي التي يحبها ويرضاها ويوالي أهلها ويكرمهم بجنته، وبين " الحقائق الكونية " التي يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر التي من اكتفى بها ولم يتبع الحقائق الدينية كان من أتباع إبليس اللعين والكافرين برب العالمين. ومن اكتفى بها في بعض الأمور دون بعض أو في مقام دون مقام أو حال دون حال نقص من إيمانه وولايته لله بحسب ما نقص من الحقائق الدينية.

 وهذا مقام عظيم فيه غلط الغالطون وكثر فيه الاشتباه على السالكين حتى زلق فيه من أكابر الشيوخ المدعين للتحقيق والتوحيد والعرفان ما لا يحصيه إلا الله الذي يعلم السر والإعلان

الأصول التي تقوم عليها العبادة

والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد ولها أصلان:

 " أحدهما ": ألا يعبد إلا الله.

 و" الثاني ": أن لا يعبده إلا بما أمر وشرع؛ لا يعبده بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع، قال تعالى:} فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا {، وقال تعالى:} بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ { وقال تعالى:} وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا{؛ فالعمل الصالح هو الإحسان وهو فعل الحسنات. و " الحسنات " هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب. فما كان من البدع في الدين التي ليست في الكتب ولا في صحيح السنة, فإنها وإن قالها من قالها وعمل بها من عمل ليست مشروعة، فإن الله لا يحبها ولا رسوله، فلا تكون من الحسنات ولا من العمل الصالح، كما أن من يعمل ما لا يجوز كالفواحش والظلم ليس من الحسنات ولا من العمل الصالح.

 وأما قوله: } وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا {, وقوله:} أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ { فهو إخلاص الدين لله وحده، وكان عمر بن الخطاب يقول:اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى:
} لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا {، قال:أخلصه وأصوبه. قالوا:يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال:إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة.

 

فصل

 إذا تبين ذلك:فمعلوم أن الناس في هذا الباب يتفاضلون تفاضلا عظيما، وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان، وهم ينقسمون فيه إلى عام وخاص، ولهذا كانت إلهية الرب لهم فيها عموم وخصوص، ولهذا كان الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش؛ إنْ أُعْطِيَ رضي وإن مُنِعَ سَخَطَ»([1]). فسمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الدرهم وعبد الدينار وعبد القطيفة وعبد الخميصة، وذكر ما فيه دعاءً وخبرًا؛ وهو قوله:«تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش». والنَّقْشُ: إخراج الشوكة من الرِّجل. والمنقاش: ما يخرج به الشوكة.

    وهذه حال من إذا أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه «إذا أعطي رضي وإذا منع سخط»، كما قال تعالى: } وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ {؛ فرضاهم لغير الله وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو بصورة ونحو ذلك من أهواء نفسه؛ إن حصل له رضي وإن لم يحصل له سخط؛ فهذا عبد ما يهواه من ذلك وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رقُّ القلب وعبوديته؛ فما استرق القلب واستعبده فالقلب عبده، ولهذا يقال:

العبد حر ما قنع

 

والحر عبد ما طمع

 وقال القائل:

أطعت مطامعي فاستعبدتني

 

ولو أني قنعت لكنت حرا

ويقال:الطمع غلٌّ في العنق وقيد في الرجل؛ فإذا زال الغل من العنق زال القيد من الرجل. ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:«الطمع فقر واليأس غنى، وإن أحدكم إذا يئس من شيء استغنى عنه». وهذا أمر يجده الإنسان من نفسه؛ فإن الأمر الذي ييأس منه لا يطلبه ولا يطمع فيه ولا يبقى قلبه فقيرا إليه ولا إلى من يفعله. وأما إذا طمع في أمر من الأمور ورجاه فإن قلبه يتعلق به فيصير فقيرا إلى حصوله، وإلى من يظن أنه سبب في حصوله، وهذا في المال والجاه والصور وغير ذلك؛ قال الله عز وجل: }فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ {.

 فالعبد لا بد له من رزق وهو محتاج إلى ذلك، فإذا طلب رزقه من الله صار عبدا لله فقيرا إليه، وإذا طلبه من مخلوق صار عبدا لذلك المخلوق فقيرا إليه؛ ولهذا كانت " مسألة المخلوق " محرمة في الأصل، وإنما أبيحت للضرورة، وفي النهي عنها أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد؛ كقوله r: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم» ([2]). وقوله:«من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا -أو خموشا أو كدوشا- في وجهه» ([3]). وقوله: «لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع». وهذا المعنى في الصحيح. وفيه أيضا: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». وقال: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك»؛ فكره أخذه من سؤال اللسان واستشراف القلب, وقال في الحديث الصحيح:«من يستغن يغنه الله ؛ ومن يستعفف يعفه الله ؛ ومن يتصبر يصبره الله ؛ وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر». وأوصى خواص أصحابه «أن لا يسألوا الناس شيئا». وفي المسند «أن أبا بكر كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد: ناولني إياه. ويقول:إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئا». وفي صحيح مسلم وغيره عن عوف بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعه في طائفة وأسر إليهم كلمة خفية:«أن لا تسألوا الناس شيئا». فكان بعض أولئك النفر يسقط السوط من يد أحدهم، ولا يقول لأحد: ناولني إياه. وقد دلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع؛ كقوله تعالى:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ {، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس:«إذا سألت فاسأل الله ؛ وإذا استعنت فاستعن بالله». ومنه قول الخليل:}فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ{ ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله ؛ لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر ؛ كأنه قال لا تبتغوا الرزق إلا عند الله. وقد قال تعالى:}وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ{.

 والإنسان لا بد له من حصول ما يحتاج إليه من الرزق ونحوه، ودفع ما يضره، وكلا الأمرين شرع له أن يكون دعاؤه لله ؛ فلا يسأل رزقه إلا من الله ولا يشتكي إلا إليه؛ كما قال يعقوب عليه السلام: } إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ {.

    والله تعالى ذكر في القرآن " الهجر الجميل " و " الصفح الجميل " و " الصبر الجميل "، وقد قيل:إن " الهجر الجميل " هو هجر بلا أذى، والصفح الجميل صفح بلا معاتبة، والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق ؛ ولهذا قرئ على أحمد بن حنبل في مرضه أن طاوسا كان يكره أنين المريض ويقول:إنه شكوى. فما أنَّ أحمد حتى مات.

    وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل ؛ فإن يعقوب قال:} فَصَبْرٌ جَمِيلٌ {، وقال:} إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ {، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في الفجر بسورة ( يونس ) و ( يوسف ) و ( النحل ) فمر بهذه الآية في قراءته, فبكى حتى سُمِعَ نشيجه من آخر الصفوف. ومن دعاء موسى:اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك.

  وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ورحمته ورجائه لقضاء حاجته ودفع ضرورته قويت عبوديته له وحريته مما سواه ؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له فيأسه منه يوجب غنى قلبه عنه، كما قيل:استغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره؛ واحتج إلى من شئت تكن أسيره، فكذلك طمع العبد في ربه.

 ورجاؤه له يوجب عبوديته له، وإعراض قلبه عن الطلب من غير الله والرجاء له يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله؛ لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق؛ بحيث يكون قلبه معتمدا إما على رئاسته وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه، كمالكه وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ؛ ممن هو قد مات أو يموت. قال تعالى:} وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا {. وكل من علق قلبه بالمخلوقات أن ينصروه أو يرزقوه أو أن يهدوه خضع قلبه لهم، وصار فيه من العبودية لهم بقدر ذلك، وإن كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لأمورهم متصرفا بهم ؛ فالعاقل ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر.

 فالرجل إذا تعلق قلبه بامرأة- ولو كانت مباحة له- يبقى قلبه أسيرا لها تتحكم فيه وتتصرف بما تريد، وهو في الظاهر سيدها؛ لأنه زوجها أو مالكها، ولكنه في الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لا سيما إذا علمت بفقره إليها وعشقه لها، وأنه لا يعتاض عنها بغيرها ؛ فإنها حينئذ تتحكم فيه تحكم السيد القاهر الظالم في عبده المقهور، الذي لا يستطيع الخلاص منه، بل أعظم؛ فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استُعْبِدَ بدنُه واسترِقَّ لا يبالي ما دام قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب -الذي هو ملك الجسم- رقيقا مستعبدا متيما لغير الله، فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب.

 وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب ؛ فإن المسلم لو أسره كافر ؛ أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك. وأما من استعبد قلبه فصار عبدا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس.

 فالحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس؛ قال النبي r: « ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس ». وهذا لعمر الله إذا كان قد استعبد قلبه صورةٌ مباحة، فأما من استعبد قلبه صورة محرمة -امرأة أو صبي- فهذا هو العذاب الذي لا يدانيه عذاب. وهؤلاء عشاق الصور من أعظم الناس عذابا وأقلهم ثوابا؛ فإن العاشق لصورة إذا بقي قلبه متعلقا بها مستعبدا لها اجتمع له من أنواع الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى؛ فدوام تعلق القلب بها بلا فعل الفاحشة أشد ضررا عليه ممن يفعل ذنبا ثم يتوب منه ويزول أثره من قلبه. وهؤلاء يشبهون بالسكارى والمجانين، كما قيل:

سكران هوى، وسكر مدامة

 

ومتى إفاقة من به سكران

وقيل:

قالوا:جننت بمن تهوى فقلت لهم

 

 

العشق أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه|

 

 

وإنما يصرع المجنون في الحين




ومن أعظم أسباب هذا البلاء إعراض القلب عن الله؛ فإن القلب إذا ذاق طعم عبادة الله والإخلاص له لم يكن عنده شيء قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع ولا أطيب، والإنسان لا يترك محبوبا إلا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفا من مكروه؛ فالحب الفاسد إنما ينصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر. قال تعالى في حق يوسف: }كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ {.

 فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له بحيث تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا كبير علاج. قال تعالى:} إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ {؛ فإن الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع المكروه؛ فإن ذكر الله عبادة لله وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها. وأما اندفاع الشر عنه فهو مقصود لغيره على سبيل التبع، والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك؛ فإنها تفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولهذا قال تعالى: } قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا { وقال تعالى:} قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى { وقال:} قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ { وقال تعالى: }وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا{؛ فجعل سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أقوى تزكية للنفس، وبين أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك. وكذلك طالب الرئاسة والعلو في الأرض قلبه رقيق لمن يعينه عليها، ولو كان في الظاهر مقدمهم والمطاع فيهم فهو في الحقيقة يرجوهم ويخافهم، فيبذل لهم الأموال والولايات، ويعفو عما يجترحونه ليطيعوه ويعينوه؛ فهو في الظاهر رئيس مطاع، وفي الحقيقة عبد مطيع لهم.

 والتحقيق أن كليهما فيه عبودية للآخر، وكلاهما تارك لحقيقة عبادة الله، وإذا كان تعاونهما على العلو في الأرض بغير الحق كانا بمنزلة المتعاونين على الفاحشة أو قطع الطريق؛ فكل واحد من الشخصين- لهواه الذي استعبده واسترقه- مستعبد للآخر، وهكذا أيضا طالب المال؛ فإن ذلك المال يستعبده ويسترقه.

 وهذه الأمور نوعان:

 ( منها ): ما يحتاج العبد إليه؛ كما يحتاج إليه من طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ذلك ؛ فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه؛ فيكون المال عنده -يستعمله في حاجته- بمنزلة حماره الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه ؛ بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته من غير أن يستعبده، فيكون هلوعا إذا مسه الشر جزوعا ؛ وإذا مسه الخير منوعا.

 و( منها ): ما لا يحتاج العبد إليه؛ فهذه لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها ؛ فإذا تعلق قلبه به صار مستعبدا له ؛ وربما صار معتمدا على غير الله، فلا يبقى معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل عليه ؛ بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله r: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة».

 وهذا هو عبد هذه الأمور؛ فلو طلبها من الله فإن الله إذا أعطاه إياها رضي، وإذا منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداء الله تعالى، وهذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». وقال:«أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». وفي الصحيح عنه r: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار».

 فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر، فكان هذا من تمام حبه لله؛ فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب ؛ فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر فقد أحبهم لله لا لغيره, وقد قال تعالى:} فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ {. ولهذا قال تعالى:}قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ{؛ فإن الرسول لا يأمر إلا بما يحب الله، ولا ينهى إلا عما يبغضه الله، ولا يفعل إلا ما يحبه الله، ولا يخبر إلا بما يحب الله التصديق به، فمن كان محبا لله لزم أن يتبع الرسول فيصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فقد فعل ما يحبه الله، فيحبه الله.

 وقد جعل الله لأهل محبته علامتين:اتباع الرسول، والجهاد في سبيله ؛ وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، وفي دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان، وقد قال تعالى:} قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ { إلى قوله:} حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ {؛ فتوعَّد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد الشديد. بل قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال:«والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب قال له:يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال:«لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال:فوالله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: «الآن يا عمر».

 فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب؛ وهو موافقته في حب ما يحب وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان. ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب؛ فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات. فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة حازمة في حصول المحبوبات؛ فإذا كان العبد قادرا عليها حصلها، وإن كان عاجزا عنها ففعل ما يقدر عليه من ذلك كان له أجر كأجر الفاعل؛ كما قال النبي r: «من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». وقال:  «إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم. قالوا:وهم بالمدينة؟ قال:وهم بالمدينة حبسهم العذر».

 و" الجهاد " هو بذل الوسع. وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق؛ فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان تركه دليلا على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه.

 ومعلوم أن المحبوبات لا تُنال غالبا إلا باحتمال المكروهات؛ سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة؛ فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا، مع ما يصيبهم من الضرر بالمال نفسه في الدنيا والآخرة؛ فالمحب لله ورسوله إذا لم يحتمل ما يرى من تحمل المحبين لغير الله ما يحتملون في سبيل حصول محبوبهم دل ذلك على ضعف محبته لله إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل.

 ومن المعلوم أن المؤمن أشدُّ حبًّا لله؛ كما قال تعالى:} وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ {.

 نعم، قد يسلك المحب لضعف عقله وفساد تصوره طريقا لا يحصل له بها المطلوب، فمثل هذه الطريق لا تحمد إذا كانت المحبة صالحة محمودة، فكيف إذا كانت المحبة فاسدة والطريق غير موصل كما يفعله المتهورون في طلب المال والرئاسة والصور في حب أمور توجب لهم ضررا ولا تحصل لهم مطلوبا؛ وإنما المقصود الطرق التي يسلكها ذو العقل السليم لحصول مطلوبه. وإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبا لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبا وحرية مما سواه.

 والقلب فقير بالذات إلى الله من " جهتين ":من جهة العبادة وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية؛ فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحده وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه بالفطرة؛ من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.

 وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائما مفتقر إلى حقيقة: } إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {؛ فإنه لو أعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادته لله؛ فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله؛ بحيث يكون هو غاية مراده ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله؛ لا يحب شيئا لذاته إلا الله، ومتى لم يحصل له هذا لم يكن قد حقق حقيقة " لا إله إلا الله "، ولا حقق التوحيد والعبودية والمحبة لله، وكان فيه من النقص والعيب بل من الألم والحسرة والعذاب بحسب ذلك، ولو سعى في هذا المطلوب ولم يكن مستعينا بالله متوكلا عليه مفتقرا إليه في حصوله لم يحصل له؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

 فهو مفتقر إلى الله من حيث هو المطلوب المحبوب المراد المعبود ومن حيث هو المسؤول المستعان به المتوكَّل عليه؛ فهو إلهه الذي لا إله له غيره، وهو ربه الذي لا رب له سواه، ولا تتم عبوديته لله إلا بهذين؛ فمتى كان يحب غير الله لذاته أو يلتفت إلى غير الله أنه يعينه كان عبدا لما أحبه وعبدا لما رجاه بحسب حبه له ورجائه إياه، وإذا لم يحب لذاته إلا الله، وكلما أحب سواه فإنما أحبه له، ولم يرج قط شيئا إلا الله، وإذا فعل ما فعل من الأسباب أو حصل ما حصل منها كان مشاهِدًا أن الله هو الذي خلقها وقدرها وسخرها له، وأن كل ما في السموات والأرض فالله ربه ومليكه وخالقه، وهو مفتقر إليه-كان قد حَصَلَ له من تمام عبوديته لله بحسب ما قسم له من ذلك، والناس في هذا على درجات متفاوتة لا يحصي طرفيها إلا الله.

الكبر ينافي حقيقة العبودية

 فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم: أتمهم عبودية لله من هذا الوجه؛ وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه؛ وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره؛ فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر؛ وقد ثبت في الصحيح عن النبي r: «أن الجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، كما أن النار لا يخلد فيها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ فجعل الكبر مقابلا للإيمان؛ فإن الكبر ينافي حقيقة العبودية، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يقول الله: العظمة إزاري والكبرياء ردائي؛ فمن نازعني واحدا منهما عذبته»؛ فالعظمة والكبرياء من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة، ولهذا جعلها بمنزلة الرداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار؛ ولهذا كان شعار الصلوات والأذان والأعياد هو التكبير، وكان مستحبا في الأمكنة العالية؛ كالصفا والمروة، وإذا علا الإنسان شرفا أو ركب دابة ونحو ذلك، وبه يطفأ الحريق وإن عظم، وعند الأذان يهرب الشيطان. قال تعالى:} وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ {. وكل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره؛ ويذل له؛ فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«أصدق الأسماء حارث وهمام»؛ فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم أول الإرادة؛ فالإنسان له إرادة دائما، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه؛ فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته؛ فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب:إما المال وإما الجاه وإما الصور وإما ما يتخذه إلها من دون الله؛ كالشمس والقمر والكواكب والأوثان، وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابا أو غير ذلك مما عبد من دون الله، وإذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا، وكل مستكبر فهو مشرك؛ ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله، وكان مشركا؛ قال تعالى: }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ { إلى قوله: } وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ { إلى قوله:} كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ {، وقال تعالى:} وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ { وقال تعالى:} إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ {، وقال تعالى:  } وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {، ومثل هذا في القرآن كثير، وقد وصف فرعون بالشرك في قوله:} وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ {؛ بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله كان أعظم إشراكا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجة إلى مراده المحبوب الذي هو المقصود؛ مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا لما استعبده من ذلك، ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله ولا يبغض شيئا إلا لله، ولا يعطي إلا لله ولا يمنع إلا لله؛ فكلما قوي إخلاص دينه لله كملت عبوديته واستغناؤه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك، والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود ؛ قال تعالى في النصارى:}اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{، وقال في اليهود:} أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ {، وقال تعالى:}سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا{.

 ولما كان الكبر مستلزما للشرك، والشرك ضد الإسلام، وهو الذنب الذي لا يغفره الله - قال تعالى:} إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا { وقال: } إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا { - كان الأنبياء جميعهم مبعوثين بدين الإسلام؛ فهو الدين الذي لا يقبل الله غيره؛ لا من الأولين ولا من الآخرين ؛ قال نوح: } فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ { وقال في حق إبراهيم:} وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ { } إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ { إلى قوله:} فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ { وقال يوسف: } تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ { وقال موسى: } يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ { } فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا { وقال تعالى: } إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا { وقالت بلقيس }رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي

رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{ وقال:} وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ { وقال: } إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ { وقال:} وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ {.

وقال تعالى: } أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا {فذكر إسلام الكائنات طوعا وكرها؛ لأن المخلوقات جميعها متعبدة له التعبد العام؛ سواء أقر المقر بذلك أو أنكره، وهم مدينون له مدبرون ؛ فهم مسلمون له طوعا وكرها؛ ليس لأحد من المخلوقات خروج عما شاءه وقدره وقضاه، ولا حول ولا قوة إلا به وهو رب العالمين ومليكهم يصرفهم كيف يشاء، وهو خالقهم كلهم وبارئهم ومصورهم وكل ما سواه فهو مربوب مصنوع مفطور فقير محتاج معبد مقهور، وهو الواحد القهار الخالق البارئ المصور. وهو وإن كان قد خلق ما خلقه بأسباب فهو خالق السبب والمقدر له وهو مفتقر إليه كافتقار هذا، وليس في المخلوقات سبب مستقل بفعل خير ولا دفع ضرر؛ بل كل ما هو سبب فهو محتاج إلى سبب آخر يعاونه وإلى ما يدفع عنه الضد الذي يعارضه ويمانعه، وهو سبحانه وحده الغني عن كل ما سواه؛ ليس له شريك يعاونه ولا ضد يناوئه ويعارضه. قال تعالى: }قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ{ وقال تعالى:} وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { وقال تعالى عن الخليل:}يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُون{ }إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ{ }وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا{... إلى قوله تعالى: }الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ{، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه « أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله أيُّنا لم يلبس إيمانه بظلم, فقال:«إنما هو الشرك ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: }إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{»

فصل

وجماع الدين " أصلان ": ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع؛ لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى:}فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا{. وذلك تحقيق " الشهادتين " ؛ شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله.

ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية: أن محمدا هو رسوله المبلغ عنه ؛ فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره. وقد بين لنا r ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى:}بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ{.

 كما أنَّا مأمورون ألا نخاف إلا الله ولا نتوكل إلا على الله ولا نرغب إلا إلى الله ولا نستعين إلا بالله، وألا تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به؛ فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى:}وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ{؛ فجعل الإيتاء لله والرسول، كما قال:}وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا{، وجعل التوكل على الله وحده بقوله:}وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ{. ولم يقل: «ورسوله»، كما قال في الآية الأخرى: }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{، ومثله قوله:} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{؛ أي: حسبك وحسب المؤمنين، كما قال:}أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ{. ثم قال: }وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ{؛ فجعل الإيتاء لله والرسول، وقدم ذكر الفضل ؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وله الفضل على رسوله وعلى المؤمنين.

    وقال:} إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ{؛ فجعل الرغبة إلى الله وحده، كما في قوله:}فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ{، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس:«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع؛ فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح عليه السلام: }أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ{، وقوله: }وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ{، وأمثال ذلك.

 فالرسل أمروا بعبادته وحده والرغبة إليه والتوكل عليه والطاعة لهم؛ فأضل الشيطان النصارى وأشباههم، فأشركوا بالله وعصوا الرسول فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، فجعلوا يرغبون إليهم ويتوكلون عليهم ويسألونهم مع معصيتهم لأمرهم ومخالفاتهم لسنتهم، وهدى الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين، فأخلصوا دينهم لله وأسلموا وجوههم لله وأنابوا إلى ربهم وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم ووالوهم واتبعوهم واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم. وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينا إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لرب العالمين.

 فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 



([1]) هذا معنى الحديث، وليس لفظه، وهو في البخاري كتاب الجهاد برقم (2887).

([2]) المزعة: القطعة الصغيرة.

([3]) الخدوش والخموش والكدوش: كلها بمعنى واحد، وهو آثار التقطع والتمزق.

===========

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب مقتطفات من كتاب العبودية ابن تيمية

  بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على صفوة خلقه وخات...